الصفحة الأصلیّة :: الأخبار :: المخزن :: 02.11.2014 - المعارف الإسلامیّة (126) الإسلام و حقوق...
التعلیق: 0

المعارف الإسلامیّة (126) الإسلام و حقوق الإنسان (2)

الخطیب: مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

25.09.2014


 
بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

لقد تبیّن لنا في الخطبة الماضیة بأنّ من محتویات رسالة الأنبیاء هي الأمور الحقوقیّة، أي أنَّ كلّ الأنبیاء جاؤا للدفاع عن حقوق الإنسان و هذه الحقیقة كانت من أهمّ بلاغاتهم و لذلك كانت كلّ تلك التعالیم التي جاؤا بها، فيها التأكید الحثیث علی الدفاع عن حقوق الإنسان والتي هي الأصول التي تكون مبنیّة علی الأنظمة الحقوقیّة و الأصول الإنسانیّة التي منشأُها الأنظمة الإلهیّة و لذلك یجب أن نمرّ بالتعبیرین الذین هما تعبیر الحقوق ثمّ تعبیر البشر.  

هنالك عدّة معاني لكلمة « الحقّ » و منها: « القول » أو « العمل » أو « الإعتقاد المطابق للواقع » كما و نری ذكر كلمة الحقّ للباري جلَّ و علا مثلاً في تعبیر « لا إله إلّا الله الملك الحقّ المبین » و كلّ هذه المعاني هي بیان الثبوت. أي أنّ كلّ أمرٍ هو ثابت الحال سواءً إن كان ذلك الأمر « أمرٌ واقعيّ » أو « أمرٌ نسبيّ ».

فیمكن إذَن أن نذكر ربّ العالمین عزّ و جلّ بتعبیر « الحقّ » إذ أنّه هو الذي حقٌّ لا شك فیه جلّ و علا ، كما و یُقال للقرآن الكریم بأنّه هو « الحقّ » بیانًا لإثباتِ أنّه كلامُ الله تبارك و تعالی ، كما و یُذكر الأمر الذي قد حصل أنّه حقٌّ و العدل هو حقٌّ أیضًا، إذ أنَّ العدل هو العامل للثبات و البقاء لكلّ شئ ، كما و أنَّ الإسلام هو « حقٌّ » أیضًا وذلك لأنّه هو ما یتحقّق و فیه الأمور الواقعیّة  كما و یُقال أنِ ثبوتة حقٌّ علی « الملك و المنافع المفروزة الواضحة » و هذا الإطلاق یكون بسبب ثبوته و تحقُّـقهِ كالقانون أو المقاولة المعتبرّة التي قد تمّ تعیینها.

 و ما یجدر بالذكر هو أنَّ ما لیس حقٌّ ، فهو الباطل كما حین أنّنا نقول إنَّ الله تبارك و تعالی هو الحقّ ، فالشرك وعبادة الأصنام هو أمرٌ باطلٌ. إنَّنا کثیرًا ما نری کلمة « الحقّ » في مختلف الآیات في القرآن الکریم مثل ما جاء في الآیة التي نصُّها «و یعلمون انّ الله هو الحقّ المبین» [1] أو ما یخصُّ ما خلق مما لا یُعدُّ و لا یُحصی و منها «و هو الّذی خلق السّموات و الارض بالحقّ»[2] و کما نری العدید من الموارد الأخری التي فیها تعریف الحريالّ ومنها الموارد الآتیة:

 فیما یخصُّ الدین الذي شرّعه الله عزّ و جلّ للإنسان في قوله تعالی : «هو الذی ارسل رسوله بالهدی و دین الحقّ»[3]  و ما یخصُّ أنَّ وعده تبارک و تعالی حقٌّ لا ریب فیه «و اذا قیل ان وعد الله حقّ»[4]   کما و نری ما جاء في قوله جلّ و علا عمّا یخصُّ الوحی: « و الّذی اوحینا الیک من الکتاب هو الحقّ»[5]  و ذکر أنَّ " القصص" المذکورة في القرآن الکریم هي حقٌّ «و ان هذا لهو القصص الحقّ»[6]

و ما یخصُّ الحُکم و الحَکـَمِیّة و القضاوة  «فاحکم بین النّاس بالحقّ»[7]

و علاوة علی کلّ هذه الموارد هنالک الکثیر من الموارد الأخری في القرآن الکریم من الآیات التي جاء فیها وجوب الإلتزام بالحقّ و منها مثلاً ما یخصُّ العلاقات بین الناس ما یخصُّ العلاقات بین شخصین أو بین الإنسان و الآخرین و هکذا، مثل الأیة التي جاء فیها: «و آت ذالقربی حقّه»[8]  و الآیة الکریمة التي جاء فیها ذکر المؤمنین الصالحین الکُرَماء في قوله تعالی : «و فی اموالهم حقّ للسائل و المحروم»[9]  أو الآیة التي فیها بیان أنَّ حتّی الذي علیه الحقّ یجب أن لا یَنکُرُهُ «وَ لْيُمْلِل‏ الّذی علیه الحقّ»[10]

و لا تخلو الأحادیث النبویّة المقدّسة للرسول الأکرم (صلی الله علیه و آله) و کلمات الأئمّة المعصومین الأطهار (علیهم السلام) من هذه الکلمة مرارًا و تکرارًا و منها ما جاء في « رسالة الحقوق » للإمام السجاد (علیه السلام) التي فیها ذکر ما یخصُّ حقوق الآخرین أکثر من 50 مرّة و أکثرها تخصُّ التصرُّفات و الحقوق الأخلاقیّة التي لها تأثیرها الحثیث في الأبعاد الإجتماعیّة.

ففي سبیل المثال نری ما یخصُّ سوء تصرُّفات الناس المُکلَّفین أي الذین هم في سنّ البلوغ و الذین علیهم المسؤلیّة في قوله تعالی :  «ذلک بانهم کانوا یکفرون بآیات الله و يَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ  بغیر الحقّ»[11]

و حین نتمعّن في الآیات التي فیها أکثر من 40 مرّة ذکر کلمة « الحقّ » نری أنَّ أکثر الموارد لا یکون المقصود منها مفهوم الحقوق و لکن في بعض الآیات یکون بیان المعنی الحقوقيّ هو « للحقّ » کما نری بیان ذلک في الآیة 282 من سورة البقرة في قوله تعالی :

« يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاکْتُبُوهُ وَ لْيَکْتُبْ بَيْنَکُمْ کاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لا يَأْبَ کاتِبٌ أَنْ يَکْتُبَ کَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَکْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ الَّذي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَ لا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ کانَ الَّذي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفيهاً أَوْ ضَعيفاً أَوْ لا يَسْتَطيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ »

إنَّ تعبیر الحقوق له العدید من المعاني الإصطلاحیّة و منها:

« الحقوق » التي علی عاتق النظام الحاکم فيما یخصُّ التصرُّفات مع الأفراد الذین هم أعضاء المجتمع الذی یحکمه و ما یجب علی أعضاء المجتمعات أن یعملوه و ما یجب أن یترکوه. إنَّ تعبیر « الحقوق » لیس بمعنی جمع تعبیر کلمة الحقّ ، بل إنَّه بمثابة المعنی المُرادف لکلمة « القانون » بالرغم من أنَّ هنالک فروق أیضًا في هذه المقارنة و لکن نری مثلاً أنَّ القانون یشمل البنود القانونیّة التشریعیّة الإعتباریّة و القوانین التکوینیّة و الحقیقیّة و لکن کلمة « الحقوق » تشمل القوانین التشریعیّة و الإعتباریّة فقط ، و الفرق الآخَر هو أنَّ تعبیر « الحقوق » یشمل « القوانین الموضوعة » و« القوانین الغیرموضوعة » ، في حین أنَّ تعبیر « القانون » یشمل فقط القوانین التي قد وضعها فردٌ من الأفراد أو وضعها جمعٌ من الناس أو سنّتها دولة من الدُّوَل أو، أو ، و هلمَّ جرّا.   

إنَّ کلمة « الحقوق » تعبیر الجمع لکلمة « الحقّ » و هو العدید ممّا هو مضمونٌ من قِبَل المسؤلین الذین هم ذوي الصلاحیّات لکلّ من هو « إنسانٌ کما هو إنسان » و یکون هنا عندئذٍ تعبیر « الحقوق » تصریف الجمع لکلمة « الحقّ ».  

إنَّ « البشر » و « الإنسان »  هما تعبیرین مترادفین یخصّان نوعٌ من الموجودات التي لها ساحتین أو بعدین و هما البعد المادّي و البعد الغیر مادّي أي الطبیعة و الفطرة و لیس له الوجهة الحسّیّة و المادِّیّة فقط ، بل إنَّ له بعدٌ غیر حسّيٌّ أیضًا و ما لا شکَّ فیه هو أنَّ قابلیّات الإنسان و رغباته متعدِّدة و متنوّعة أیضًا و لذلک نری في الإسلام حین یکون الکلام عن حقوق الإنسان و البشریّة ، تکون الأبعاد التي تنصُّ علیها ، هي تنظیم حدود تلک الأبعاد الإنسانیّة و الحوائج  و الرغبات التي تخصّه.

 نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا  للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و أن نكون خلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.                                                                   

 

                                     والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته



[1] . نور، 25. 

[2] . انعام، 73. 

[3] . فتح، 28. 

[4] . جاثیه، 32.

[5] . فاطر، 31.

[6] . آل عمران، 62.

[7] . ص، 26ـ21ـ22؛ غافر، 20.

[8] . روم، 38. 

[9] . ذاریات، 19.

[10] . بقره، 282.

[11] . بقره، 61.